أحمد بن علي القلقشندي
20
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
حضرته العلية ، وخطيب حمرائه ( 1 ) السنيّة ، المخصوص لديه بترفيع المزيّة ، المصروف إليه خطاب القضاة بإيالته النّصريّة ، قاضي الجماعة ، ومصرّف الأحكام الشرعية المطاعة ، الشيخ أبي الحسن ابن الشيخ أبي محمد بن الحسن وصل اللَّه سعادته ، وحرس مجادته ، وسنّى من فضله إرادته ، عصّب منه جبين المجد بتاج الولاية ، وأجال قداح الاختيار حتّى بلغ الغاية وتجاوز النهاية ، فألقى منه بيمين عرابة ( 2 ) الراية ، وأحلَّه منه محلّ اللفظ من المعنى والإعجاز من الآية ، وحشر إلى مراعاة ترفيعه وجوه البرّ وأعيان العناية ، وأنطق بتبجيله ، ألسن أهل جيله ، بين الإفصاح والكنايه . ولما كان له الحسب الذي شهدت به ورقات الدّواوين ، والأصالة التي قامت عليها صحاح البراهين ، والآباء الذين اعتزّ بمضاء قضاتهم الدّين ، وطبّق ( 3 ) مفاصل الحكم بسيوفهم الحقّ المبين ، وازدان بمجالسة وزرائهم السلاطين : فمن فارس حكم أو حكيم تدبير ، أو قاض في الأمور الشرعية ووزير ، أو جامع بينهما جمع سلامة لا جمع تكسير ؛ تعدّد ذلك واطَّرد ، ووجد مشرع المجد عذبا فورد ، وقصّرت النظراء عن مداه فانفرد ، وفرى الفرى في يد الشّرع فأشبه السيف الفرند ( 4 ) ، وجاء في أعقابهم محييا لما درس ، بما حقّق
--> ( 1 ) الحمراء : مجموعة من الأبنية تقوم على ربوة تطل على غرناطة بالأندلس ، بنيت فيما بين 1248 و 1354 م ، وكانت قلعة وقصرا لملوك بني نصر أو بني الأحمر . وكان فيها المسجد الجامع الذي يعتبر آية في فن العمارة والزخرفة . ( انظر الموسوعة العربية الميسرة : 736 وصفة جزيرة الأندلس : 153 - 158 ) . ( 2 ) إشارة إلى عرابة بن أوس الحارثي ، الأنصاري : من سادات المدينة الأجواد المشهورين . أدرك حياة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأسلم صغيرا . وهو الذي يقول فيه الشماخ المريّ : إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين . ( بلوغ الأرب : 2 / 187 - 188 وأمل الآمل : 2 / 94 والأعلام : 4 / 222 ) . ( 3 ) يقال : طبّق الحاكم ، إذا أصاب وأحكم أمره . وطبّق السيف ، إذا أصاب الطبق ، وهو المفصل . ( 4 ) فرى الشيء فريا : شقّه . والفرى : جمع فرية ، وهي الكذب . والفرند : السيف ، وما يلمح في صفحته من أثر تموّج الضوء .